أبي بكر جابر الجزائري

227

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

كُلَّما خَبَتْ : أي سكن لهبها زدناهم سعيرا أي تلهبا واستعارا . وَقالُوا : أي منكرين للبعث . مِثْلَهُمْ : أي أناسا مثلهم . أَجَلًا : وقتا محددا . معنى الآيات : ما زال السياق في تقرير النبوة المحمدية إذ يقول تعالى لرسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : قل لأولئك المنكرين أن يكون الرسول بشرا ، كَفى « 1 » بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على أني رسوله وأنتم منكرون عليّ ذلك . إنه تعالى كان وما زال بِعِبادِهِ خَبِيراً أي ذا خبرة تامة بهم بَصِيراً بأحوالهم يعلم المحق منهم من المبطل ، والصادق من الكاذب وسيجزي كلا بعدله ورحمته . وقوله تعالى : وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ « 2 » يخبر تعالى أن الهداية بيده تعالى فمن يهده اللّه فهو المهتدي بحق ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ « 3 » أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ أي يهدونهم بحال من الأحوال ، وفي هذا الكلام تسلية للرسول وعزاء له في قومه المصرّين على الجحود والانكار لرسالته . وقوله : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي أولئك المكذبين الضالين الذين ماتوا على ضلالهم وتكذيبهم فلم يتوبوا نحشرهم يوم القيامة ، يمشون على وجوههم « 4 » حال كونهم عميا لا يبصرون ، بكما لا ينطقون ، « 5 » صما لا يسمعون وقوله تعالى : مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي محل استقرارهم في ذلك اليوم جهنم الموصوفة بأنها كُلَّما خَبَتْ أي سكن لهبها عنهم زادهم اللّه سعيرا أي تلهبا

--> ( 1 ) روي أن نفرا من قريش قالوا حين سمعوا قوله : هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا فمن يشهد لك أنك رسول اللّه ؟ فنزل : قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً . ( 2 ) حذفت الياء ليوقف على الدّال بالسكون وهي لغة فصيحة وفي حال الوصل يؤتى بالياء نطقا بها . ( 3 ) جمع الضمير لَهُمْ مراعاة إلى أن مَنْ تكون للواحد والمتعدد . ( 4 ) أي : يسحبون على وجوههم إهانة لهم كما يفعل في الدنيا بمن ينتقم منه حيث يسحبونه على وجهه في الأرض إهانة ، ومن سورة القمر قال تعالى : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ وجائز أن يمشوا على وجوههم عند حشرهم إلى جهنم فإذا دخلوها سحبوا على وجوههم لحديث أنس : ( أليس الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه ؟ ) في جواب سائل قال أفيحشر الكفّار على وجوههم ؟ ( 5 ) هذا في حال حشرهم إلى جهنم وكانوا قبل ذلك يسمعون ويبصرون وينطقون ثم إذا دخلوها عادت إليهم حواسهم للآيات القرآنية المصرّحة بذلك منها : وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ . . ومنها : سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ومنها : نادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ . .